"شاذة" يجوز لـ"الذكر" ترويضها... الحالمات في رواية الجزائريات

أحلام تجتاحنا كنساء دائماً، وواقع عنيف يتراكم علينا، وكأنه على قدر جموح الحلم على قدر حدة الواقع.ما بين الأحلام الداخلية التي قد لا تتغير كثيراً بتغير الظروف، والواقع الخارجي الذي يتلون مع كل مرحلة تاريخية، يعصف العنف المجتمعي في الجزائر بالحلم النسوي/النسائي. وقد سلطت روايات جزائرية كتبتها نساء الضوء على تلك الأحلام الأنثوية، وذلك العنف الذكوري، أجواء تسعى فيها المرأة بشكل دائم إلى الانعتاق من سجن العادات والتقاليد الاجتماعية الرثّة، وهو ما جسدته الروائية الجزائرية عائشة بنور في روايتها "الزنجية". تكشف بنور عن المسكوت عنه، شعورياً وذهنياً، بخصوص ظاهرة الختان، ذلك التقليد البائد الذي لا يزال حاضراً بقوة ورعب، ليخلف جروحاً غائرة في نفس المرأة، مهدداً استقرارها العاطفي والجنسي. الحالمة بالسفر تحكي "الزنجية" قصة بلانكا، منذ ختانها مروراً بمغادرتها "أرليت" في نيجريا إلى بلدة جزائرية صغيرة، بعد زواجها برجل من بلدتها يُدعى فريكي، أنجبت منه ابنتها إفريقيا، وطفلها بوكاموسا. اصطحبت العائلة الصغيرة معها بيانكا، والدة "فريكي"، وشقيقته الصغيرة، وأم بلانكا، وأختها الصغرى أيضاً، ووجدوا أنفسهم في نهاية المطاف في وجه التشرد، والتيه، وعدم الانتماء. في بداية الرواية (نشرتها دار الخيال، واستغرقت المؤلفة ثلاث سنوات لكتابتها) نقرأ إهداءً إلى المرأة الإفريقية والآسيوية المهاجرة من عمق البؤس، الباحثة عن الأمن والرغيف، وإلى الطفولة المشردة التي تفتش عن الدفء في زمن الإعصار. يستمر سيلان الدم من ذاكرة بلانكا، رغم أن جرح ختانها قد اندمل، إذ استرجعت كيف عُبث بجسدها لإرضاء حاجات نفسية كامنة أو الانفلات من رغبات مكبوتة، يشعر ممارسوها بالسعادة، بالأخص حينما تُعرّى الفتيات الصغيرات أمام عيونهم. وللحظة ، استسلمت بلانكا لواقعها البائس، كانت مربوطة القدمين، ومشدودة الكتفين بين رجلين أسمرين، قويي البنية، لم يكن بيدها حيلة سوى الصراخ، كانت كشاة مذبوحة تتخبط في دمائها، وأخريات لازال نحيبهن يعلو ويعلو، بعدما أنهت العجوز الشمطاء مهمتها بنجاح. وظفت الروائية الجزائرية عائشة بنور حالة من النوستالجيا لسرد الطقوس والقوانين التي تخضعُ لها قبيلة نيجيرية، التي تؤمن بالفكر الواحد لا التعددية، فالأجيال في هذه المنطقة مقهورة، تفكر بنفس الرؤى، وتتحدث وتمتثل للنمط ذاته. الحالمة بالتمرد في رواية أخرى لبنور "السوط والصدى" المُهداة إلى كل من عانى من مأساة الفتنة، ودفع حياته بين فكي السلطة والتطرف، رصدت عائشة تمثلات العنف الأبوي الذي يبدأ من داخل الأسرة، وصولاً إلى نظرة المجتمع الدونية للمرأة، فالسلطة الذكورية في الأسرة الجزائرية تنتقل إما عن طريق التوريث أو عن نقلها من الأب إلى الابن بأمر منه، فيصبح الابن هو من يمارس هذه السلطة على شقيقاته، في محاولة منه لإثبات رجولته وصون شرفه. "لقد سلبوا حقاً من حقوقي الشخصية، باسم الأخوة والعادات والتقاليد"... روايات لكاتبات جزائريات يحكين فيه عن أحلام بطلاتهن بالسفر والشهوة والمكانة الاجتماعيةتقول هند بطلة رواية "السوط والصدى": "صدمة لي أن يتخلى الأب عن سلطته كرب للأسرة، ويترك الطفل يعبث بها، حيث يوهم نفسه أنه عارف بخبايا المجتمع، لقد سلبوا حقاً من حقوقي الشخصية، باسم الأخوة والعادات والتقاليد، وولدت عُنفاً كانت نتائجه تلك الهوة العميقة بين الأخ والأخت والبنت، وآخرها وجدت المرأة نفسها تواجه الضياع". المجتمع الأبوي في نظر البطلة لا يسمح للفتاة أن تعبر عن ذاتها، خوفاً أن يفقد سلطته أو أبويته، وإن كان لها ذلك فلا بد أن تخضع لمعايير ذكورية متسلطة، وقوانين وأحكام مقولبة، وإن تجاوزتها المرأة تصنّف كحالة شاذة، يجوز للذكر ترويضها بأقصى أنواع التعنيف النفسي والجسدي. واستشهدت الروائية الجزائرية بقول الأديبة نوال السعداوي: "المرأة قضية سياسية، اقتصادية وجنسية، العنف الموجه ضد المرأة ليس فقط عنفاً جنسياً وإنما هو عُنف اقتصادي وسياسي وأخلاقي وديني". الحالمة بالشهوة فضيلة الفاروق واحدة من الروائيات الجزائريات اللواتي ركّزن على العنف الذي لحق بالأنثى بمختلف ألوانه وأشكاله وانعكاساته المادية والمعنوية، لديها عدة روايات منها: "تاء الخجل"، "لحظة لاختلاس الحب"، "مزاج مراهقة" و"اكتشاف الشهوة" الذي يصنف الأجرأ في كتبها. باحت باني، بطلة الرواية، بأسرار عن العلاقة العاطفية والجنسية مع زوجها، الذي ارتبطت به بعد انتظار دام أكثر من 30 عاماً، وهي تنتظره على أحر من الجمر، كي يأتي ويخلصها من براثن الحزن وآلام الوحدة القاسية، غير أن أحلامها تحولت إلى سراب، فلم تكن تتوقع أن زوجها ينظر إليها في الفراش ليس كزوجة بل كعاهرة. وشكت باني همها لصديقتها قائلة: "هل تعرفين حين تزوجت، كنت أتوقع أن مشاكلي انتهت، غير أنني اكتشفت أنني دخلت سجناً فيه كل أنواع العذاب، فبين ليلة وضحاها أصبح المطلوب مني أن أكون عاهرة في الفراش، أن أمارس كما يمارس هو، أن أنصت لكل القذارات التي تصدر منه، أن أمنحه مؤخرتي ليخترقها بعضوه، أن أكون امرأة منسلخة الكيان، أن أكون نسخة عنه، وعن تفكيره، المشكلة تجاوزتني يا شاهي، ولهذا تطلَّقت، ما اخترقني لم يكن عضوه التناسلي، كان اغتيالاً لكبريائي". وتحولت باني في تلك الرواية إلى كائن لا معنى له، والزواج أصبح لا معنى له، وهو مجرد مغامرة لم تثمر، كثير من الذل في حياتها، وكثير من الانهزامية، والتلاشي، والانتهاء. الحالمة بالنجاح شكل آخر من أشكال العنف تُجسدهُ الروائية الجزائرية آمال قاسيمي في روايتها الأخيرة "غرف الجحيم" الصادرة حديثاً عن دار خيال للنشر والترجمة، تسرد قصة سيدة عاشت في دار الأيتام بسبب العنف الزوجي وعدم المسؤولية. حلمت أن تكون سيدة أعمال راقية، ترتدي ثياباً أنيقة، تجلس وراء مكتبها الخاص، توقّع على أوراق مهمة، تُملي الأوامر وتحسم النتائج، لكن جوري صاحبة الوجه الملائكي كانت في الأصل أسيرة أسوار الميتم، تستيقظ كل صباح على صوت مزعج للراهبة ميرا. وطرحت الروائية آمال قاسيمي في هذه الرواية كيف تقع المرأة فريسة الرجل الصياد، الذي يتجرد من كل إ

"شاذة" يجوز لـ"الذكر" ترويضها... الحالمات في رواية الجزائريات

أحلام تجتاحنا كنساء دائماً، وواقع عنيف يتراكم علينا، وكأنه على قدر جموح الحلم على قدر حدة الواقع.

ما بين الأحلام الداخلية التي قد لا تتغير كثيراً بتغير الظروف، والواقع الخارجي الذي يتلون مع كل مرحلة تاريخية، يعصف العنف المجتمعي في الجزائر بالحلم النسوي/النسائي.

وقد سلطت روايات جزائرية كتبتها نساء الضوء على تلك الأحلام الأنثوية، وذلك العنف الذكوري، أجواء تسعى فيها المرأة بشكل دائم إلى الانعتاق من سجن العادات والتقاليد الاجتماعية الرثّة، وهو ما جسدته الروائية الجزائرية عائشة بنور في روايتها "الزنجية".

تكشف بنور عن المسكوت عنه، شعورياً وذهنياً، بخصوص ظاهرة الختان، ذلك التقليد البائد الذي لا يزال حاضراً بقوة ورعب، ليخلف جروحاً غائرة في نفس المرأة، مهدداً استقرارها العاطفي والجنسي.

الحالمة بالسفر

تحكي "الزنجية" قصة بلانكا، منذ ختانها مروراً بمغادرتها "أرليت" في نيجريا إلى بلدة جزائرية صغيرة، بعد زواجها برجل من بلدتها يُدعى فريكي، أنجبت منه ابنتها إفريقيا، وطفلها بوكاموسا.

اصطحبت العائلة الصغيرة معها بيانكا، والدة "فريكي"، وشقيقته الصغيرة، وأم بلانكا، وأختها الصغرى أيضاً، ووجدوا أنفسهم في نهاية المطاف في وجه التشرد، والتيه، وعدم الانتماء.

في بداية الرواية (نشرتها دار الخيال، واستغرقت المؤلفة ثلاث سنوات لكتابتها) نقرأ إهداءً إلى المرأة الإفريقية والآسيوية المهاجرة من عمق البؤس، الباحثة عن الأمن والرغيف، وإلى الطفولة المشردة التي تفتش عن الدفء في زمن الإعصار.

يستمر سيلان الدم من ذاكرة بلانكا، رغم أن جرح ختانها قد اندمل، إذ استرجعت كيف عُبث بجسدها لإرضاء حاجات نفسية كامنة أو الانفلات من رغبات مكبوتة، يشعر ممارسوها بالسعادة، بالأخص حينما تُعرّى الفتيات الصغيرات أمام عيونهم.

وللحظة ، استسلمت بلانكا لواقعها البائس، كانت مربوطة القدمين، ومشدودة الكتفين بين رجلين أسمرين، قويي البنية، لم يكن بيدها حيلة سوى الصراخ، كانت كشاة مذبوحة تتخبط في دمائها، وأخريات لازال نحيبهن يعلو ويعلو، بعدما أنهت العجوز الشمطاء مهمتها بنجاح.

وظفت الروائية الجزائرية عائشة بنور حالة من النوستالجيا لسرد الطقوس والقوانين التي تخضعُ لها قبيلة نيجيرية، التي تؤمن بالفكر الواحد لا التعددية، فالأجيال في هذه المنطقة مقهورة، تفكر بنفس الرؤى، وتتحدث وتمتثل للنمط ذاته.

الحالمة بالتمرد

في رواية أخرى لبنور "السوط والصدى" المُهداة إلى كل من عانى من مأساة الفتنة، ودفع حياته بين فكي السلطة والتطرف، رصدت عائشة تمثلات العنف الأبوي الذي يبدأ من داخل الأسرة، وصولاً إلى نظرة المجتمع الدونية للمرأة، فالسلطة الذكورية في الأسرة الجزائرية تنتقل إما عن طريق التوريث أو عن نقلها من الأب إلى الابن بأمر منه، فيصبح الابن هو من يمارس هذه السلطة على شقيقاته، في محاولة منه لإثبات رجولته وصون شرفه.

"لقد سلبوا حقاً من حقوقي الشخصية، باسم الأخوة والعادات والتقاليد"... روايات لكاتبات جزائريات يحكين فيه عن أحلام بطلاتهن بالسفر والشهوة والمكانة الاجتماعية

تقول هند بطلة رواية "السوط والصدى": "صدمة لي أن يتخلى الأب عن سلطته كرب للأسرة، ويترك الطفل يعبث بها، حيث يوهم نفسه أنه عارف بخبايا المجتمع، لقد سلبوا حقاً من حقوقي الشخصية، باسم الأخوة والعادات والتقاليد، وولدت عُنفاً كانت نتائجه تلك الهوة العميقة بين الأخ والأخت والبنت، وآخرها وجدت المرأة نفسها تواجه الضياع".

المجتمع الأبوي في نظر البطلة لا يسمح للفتاة أن تعبر عن ذاتها، خوفاً أن يفقد سلطته أو أبويته، وإن كان لها ذلك فلا بد أن تخضع لمعايير ذكورية متسلطة، وقوانين وأحكام مقولبة، وإن تجاوزتها المرأة تصنّف كحالة شاذة، يجوز للذكر ترويضها بأقصى أنواع التعنيف النفسي والجسدي.

واستشهدت الروائية الجزائرية بقول الأديبة نوال السعداوي: "المرأة قضية سياسية، اقتصادية وجنسية، العنف الموجه ضد المرأة ليس فقط عنفاً جنسياً وإنما هو عُنف اقتصادي وسياسي وأخلاقي وديني".

الحالمة بالشهوة

فضيلة الفاروق واحدة من الروائيات الجزائريات اللواتي ركّزن على العنف الذي لحق بالأنثى بمختلف ألوانه وأشكاله وانعكاساته المادية والمعنوية، لديها عدة روايات منها: "تاء الخجل"، "لحظة لاختلاس الحب"، "مزاج مراهقة" و"اكتشاف الشهوة" الذي يصنف الأجرأ في كتبها.

باحت باني، بطلة الرواية، بأسرار عن العلاقة العاطفية والجنسية مع زوجها، الذي ارتبطت به بعد انتظار دام أكثر من 30 عاماً، وهي تنتظره على أحر من الجمر، كي يأتي ويخلصها من براثن الحزن وآلام الوحدة القاسية، غير أن أحلامها تحولت إلى سراب، فلم تكن تتوقع أن زوجها ينظر إليها في الفراش ليس كزوجة بل كعاهرة.

وشكت باني همها لصديقتها قائلة: "هل تعرفين حين تزوجت، كنت أتوقع أن مشاكلي انتهت، غير أنني اكتشفت أنني دخلت سجناً فيه كل أنواع العذاب، فبين ليلة وضحاها أصبح المطلوب مني أن أكون عاهرة في الفراش، أن أمارس كما يمارس هو، أن أنصت لكل القذارات التي تصدر منه، أن أمنحه مؤخرتي ليخترقها بعضوه، أن أكون امرأة منسلخة الكيان، أن أكون نسخة عنه، وعن تفكيره، المشكلة تجاوزتني يا شاهي، ولهذا تطلَّقت، ما اخترقني لم يكن عضوه التناسلي، كان اغتيالاً لكبريائي".

وتحولت باني في تلك الرواية إلى كائن لا معنى له، والزواج أصبح لا معنى له، وهو مجرد مغامرة لم تثمر، كثير من الذل في حياتها، وكثير من الانهزامية، والتلاشي، والانتهاء.

الحالمة بالنجاح

شكل آخر من أشكال العنف تُجسدهُ الروائية الجزائرية آمال قاسيمي في روايتها الأخيرة "غرف الجحيم" الصادرة حديثاً عن دار خيال للنشر والترجمة، تسرد قصة سيدة عاشت في دار الأيتام بسبب العنف الزوجي وعدم المسؤولية.

حلمت أن تكون سيدة أعمال راقية، ترتدي ثياباً أنيقة، تجلس وراء مكتبها الخاص، توقّع على أوراق مهمة، تُملي الأوامر وتحسم النتائج، لكن جوري صاحبة الوجه الملائكي كانت في الأصل أسيرة أسوار الميتم، تستيقظ كل صباح على صوت مزعج للراهبة ميرا.

وطرحت الروائية آمال قاسيمي في هذه الرواية كيف تقع المرأة فريسة الرجل الصياد، الذي يتجرد من كل إنسانيته بحبكة أدبية مثقلة بالهموم والمآسي والأحزان، فجوري التي كانت تحارب من أجل الحصول على اسم عائلة، لأنها مجهولة نسب، تعرضت للظلم و العنف.

استرجعت كيف عُبث بجسدها لإرضاء حاجات نفسية كامنة أو الانفلات من رغبات مكبوتة، يشعر ممارسوها بالسعادة، بالأخص حينما تُعرّى الفتيات الصغيرات أمام عيونهم

جوري هي امرأة عشقت رجلاً لحد الجنون، غرقت في عالمه المزيف، تخلت عن الدراسة، وحتى فكرة العمل لم تعد تراودها، رغم أفكاره التي تبدو للقارئ شيطانية، وهدفه الوحيد إشباع غروره، شعوره بأنه الأرقى شأناً منها، فهو لم يكن يتقبل إطلاقاً أن تكون هي الدكتورة وهو مجرد عامل في مصنع للأحذية، بعد فشله الدراسي، وطرده من الجامعة.

و هنا يتحول الزواج إلى فصل جديد من فصول الجحيم، الذي عاينته هذه السيدة منذ أن فتحت عينيها على هذه الدنيا، فأصبحت خادمة، وساقطة بعينيه، وهو كان الرجل المتسلط، الظالم والنرجسي.

تضاعف كرهه لها لأنها حملت بأنثى، خيرها بين الإجهاض أو القتل لأنه لا يحب الإناث، غير أن الحظ حالفها فغادرت الحياة قبل أن يفتك بها وأصبحت ملاكاً سماوياً.

غربة روح

تعلق الناقدة الجزائرية ربيحة قدور، أن الروايات النسائية هي الأكثر اهتماماً بقضايا المرأة، فتعرض نماذج نساء مضطهدات، محرومات ومأزومات عاطفياً، يقعن ضحية تعنيف الزوج أو الأب أو الأخ أو الرجل في المحيط القريب، كحال رواية "اكتشاف الشهوة" لفضيلة الفاروق.

كذلك قدمت رواية "غربة روح" عرضاً تسجيلياً لتعنيف يمارسه الأخ على البطلة (زهرة)، وعرضت رواية "أبي الجبل" مظاهر تعنيف الخال اللفظي للبطلة بعد وفاة والدها ومحاولته تزويجها رغماً عنها، وقدمت رواية "نخب الأولى" نموذج نبيلة، زوجة عمر، التي تعاني إهمال زوجها، وانتبهت رواية "قوارير شارع جميلة بوحيرد" للروائية الجزائرية ربيعة جلطي للعنف اللفظي، والمهم فيها ما تناولته من إشارات واعية إلى العنف الرمزي ضد المرأة، الممارس بشكل غير ظاهر، هذا العنف الذي تلزم مقاومته ممارسة تكتيكية واعية.

يتحول الزواج في روايتها إلى فصل جديد من فصول الجحيم، الذي عاينته هذه السيدة منذ أن فتحت عينيها على هذه الدنيا، فأصبحت خادمة، وساقطة بعينيه، وهو كان الرجل المتسلط، الظالم والنرجسي

بحسب ربيحة قدور فإن أغلب الروايات النسائية تلك سلكت منحى مندداً بالوضع، ولكنه يحمل توجهاً حاملاً لرؤية معينة إلى موضوع العنف في حد ذاته، توضح: "نحن لا نتحدث عن العنف كموضوع فقط، ولكن نتحدث عن طريقة تناوله التي يجب أن تحمل بعداً أعمق وأشمل، تعالج فيه الكاتبة العنف كظاهرة موازية لحالة التمايز أو كنتيجة حتمية له، كرواية ميساء مسعودي (c’est mon choix)، التي عرفت بنماذج نساء معنَّفات، مكتوبة بوعي نسوي، تفكيكي وناقد".

"رؤية عادلة"

معظم الروائيات، أو الأدب النسوي الجزائري انشغل كثيراً بالوضعية الاجتماعية للمرأة وتغيراتها في كل مرحلة تاريخية، بحسب الأستاذة الباحثة في الأنثروبولوجيا، مليكة حيون مهدي، التي تعود بنا إلى بدايات تلك الكتابة، وملامح تطورها وتغيرها.

تقول مهدي: "بدأت النساء في الجزائر بالكتابة خلال المرحلة الممتدة ما بين 1919 و1939، كتبن روايات عن المستعمر الفرنسي والهجرة، حتى عن حياتهن الشخصية، آنذاك كانت الرواية تتسم بطابع الشهادات، مثل طاووس عمروش أو ماري لويزة الجزائرية التي كتبت اسمها بأحرف من ذهب، كونها أول امرأة مغاربية تقتحم هذا العالم".

كانت الكتابة هي الوسيط الملجأ للتعبير، وبعضهن كتب بأسماء مستعارة للحفاظ على خصوصية العائلة أو الزوج، فالمجتمع لا يقبل بسهولة "انكشاف المرأة"، بحسب تعبير مهدي.

وفي مرحلة العشرية السوداء، سلطت رواياتهن الضوء على نصيب المرأة من الممارسات البشعة، وحاولن التحرر عبر الكتابة من قيود اجتماعية، وقيم متخلفة مرتبطة بالأعراف، مثل أعمال أحلام مستغانمي وفضيلة فاروق.

تصف الناقدة الجزائرية، نسيبة عطا الله، بداية الرواية النسوية في الجزائر بأنها "نضالية"، خاصة في أعمال الطاوس عمروش، آسيا جبار، يمينة مشاكرة وزهور ونيسي، وبعد الاستقلال انتقلت على مستوى الموضوع، من النّضال الثّوري أو الملحميّة إلى النّضال الإنساني، خاصّة بعد الانعكاسات التي طرأت على الرّواية العربيّة عموماً بعد هزيمة 1967، وهذا التّحول مسّ جميع الدّول العربية، وأخرج لنا روائيّات يكتبن باللّغة العربيّة.

تكمل عطا الله رصدها لتطور الصوت النسوي في الرواية: "مع رواية زهور ونيسي الأولى (يوميات مدرسة حرة) برز الصّوت النّضالي للمرأة الجزائريّة، التي ترفض الواقع الذّكوري السّلطوي بعد عهد استعماري طويل، وربّما لأجل هذا كان صوت الأنثى الكاتبة أكثر حدّة وثوريّة على الرّجل أبويّ السّلطة في المجتمع كلّه وليس داخل الأسرة فقط".

"أصبح موت الرّجل في الرّواية النّسائية رمزيّة نضاليّة فنّية في الكتابة".

وتضيف نسيبة عطا الله، إنه ومع "التأزمات السّياسية والاجتماعيّة المتواترة في البلاد، ارتفعت أصوات أخرى، مثل: فضيلة الفاروق، التّي أظهرت نزعتها المعادية لهذا الواقع بشكل كبير في (تاء الخجل)، وأصبح موت الرّجل في الرّواية النّسائية رمزيّة نضاليّة فنّية في الكتابة، وأيضاً في ثلاثيّة أحلام مستغانمي تدخّل القدر في صنع مأساة المرأة والرّجل معاً، فتوظيفها للرّسام الجزائري الرّمز (إسياخم)، وإسقاطه على البطل الثّوري (بن طوبال) جعل من العنف مفهوماً إنسانيّاً واسعاً ترتكبه الحياة ضدّ الجنسين معاً، الأنثى والذّكر".

واستحضرت الناقدة الجزائرية أيضاً التجارب السردية المعاصرة، واستدلت بفيروز رشّام أو "تجربة السّرد الرّوائي عن موضوع العنف ضدّ المرأة الذي تسبّب فيه الرّجل والمرأة معاً، والعنف ضدّ الرّجل الذي تسبّب فيه المجتمع، وعلى عكس النّهايات المأساوية التي اعتدناها رسالة منحازة في الرّوايات النّسائية سابقاً، تنصف الرّوائية الاثنين معاً، ممّا يوحي بأنّ نظرة المرأة الكاتبة للمجتمع والحياة، والأنوثة والذّكورة والقضايا الإنسانية قد اختلفت، وأصبحت أكثر ملائمة لمعطيات العصر، وانشغالات الإنسان فيه".

وتختم عطا الله، حديثها قائلة: "لم يعد الصّوت النّسائي في الكتابة حرباً تُشنّ على الرّجل بقدر ما أصبح يقدّم رؤية عادلة تجمع الاثنين لصناعة مجتمع سليم ومتوازن".