مقاصد وأخلاقيات الهجرة

تمر السنون في وقتنا مروراً سريعاً كالبرق، فتجرى السنة الواحدة من أمامنا فلا يكاد الإنسان يلتقط أنفاسه إلا والسنة التي تليها قد أوشكت أو دخلت كسنة جديدة في حلتها وشهورها وأيامها وأقدارها وأرزاقها ووقائعها ومجرياتها. وفي خضم مرور تلك السنين لا يكاد الإنسان أن يستجمع فكره في مشروع علمي أو اقتصادي أو ثقافي، فما يلبث إلا والوقت قد انسرق منه إن لم يُنجز أفكاره المؤسسة لذلك المشروع. وأمام هذا الجريان السريع يجد الأنسان نفسه أنه حري به أن يتأمل التاريخ ليستمد منه قوته، ولا أجد شيئاً فيه استمداد للقوة الإنسانية إلا تأمل سيرته صلى الله عليه وسلم في هجرته النبوية، فمع مرور كل سنة نكون أمام بدايات السنة الهجرية التي ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بهجرة النبي صلى الله عليه وسلم وما تتضمنه من مقاصد وأخلاقيات وسلوكيات مؤسسة لما هو جديد ومؤكدة لما هو حسن وجميل من كل خلق وسلوك كانت تتعامل به العرب في حياتها في وقتٍ تم وصفه بأنه جاهلية، وذلك لما تضمنته تلك الحياة من شوائب مناقضة للفطرة الإنسانية من ظلم في المواريث وظلم لما تواجهه المرأة من سلوكيات وأخلاقيات دونية تُنزل من مرتبتها الإنسانية، ومن عبادة للأوثان، فكانت العرب قد بلغت مداها في الإيغال في عدم الانضباط السلوكي والأخلاقي تجاه البحث عن إله هذا الكون حيث تعددت الآلهة لدى العرب الأقحاح الذين لا يمكن مجاراتهم في لغتهم العربية وفي ديوانهم الذي كان بمثابة الوسيلة الإعلامية الوحيدة التي كانوا يقتحمون أبوابها من كل حدب وصوب، إلا أن تلك العقول العربية لم تجد طريقاً لمعرفة إله الكون والوجود ثم كانت المواجهة عندما أتى رجل منهم يدعوهم إلى نبذ تلك الآلهة والتوجه بالعبادة إلى الإله الحقيقي الموجد لهذا الكون الذي لا يستحق صرف العبادة بكل أشكالها وأنواعها من ذبح وخوف ورهبة ودعاء ولجوء ونذر وحلف إلا للخالق البارئ المبدع لهذا الكون، فكانت تلك العبادات تُمارس بشكل علني وتلقائي دون نكير من أحد، وذلك لأنها دين الآباء والأجداد (بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون)، فقد فسر كثير من أهل العلم من الصحابة والتابعين هذه الآية بأن كفار قريش احتجوا على الدعوة لعبادة الله عز وجل بأن قالوا وجدنا آباءنا على دين وملة وهذا المقصود بالأمة، وذلك هو عبادتهم الأوثان، فكنت دائماً و لا أزال أتأمل من خلال تصوير ذهني كيفية هيئة المجتمع المكي في ذلك الوقت، وكيف أن أولئك العرب الأقحاح قد غفلوا عن حقيقية وجود إله لهذا الكون ويستحق العبادة كلها، وهم الذين نزلت الشريعة بلغتهم بل إن عصرهم عصر احتجاج بما يقولونه أو يفهمونه سواءً في الشريعة أو اللغة العربية، فقد قال الشاطبي مقرراً حجية فهمهم (فلا بد في فهم الشريعة من اتباع معهود الأميين، وهم العرب الذين نزل القرآن بلسانهم، فإن كان للعرب في لسانهم عرف مستمر فلا يصح العدول عنه في فهم الشريعة، وإن لم يكن ثم عرف، فلا يصح أن يجري في فهمها على ما لا تعرفه، وهذا جار في المعاني والألفاظ والأساليب، مثال ذلك أن معهود العرب ألا ترى الألفاظ تعبدا عند محافظتها على المعاني، وإن كانت تراعيها أيضا، فليس أحد الأمرين عندها بملتزم، بل قد تبني على أحدهما مرة، وعلى الآخر أخرى، ولا يكون ذلك قادحا في صحة كلامها واستقامته)، ثم يحار العقل في الإجابة عن كثير من الأسئلة والبحث عن العلل التي جعلت أولئك العرب الأقحاح يُعرضوا عن دعوة محمد صلى الله عليه وسلم، ولا شك أن لدى أهل العلم إجابات كثيرة عن أسباب ذلك الإعراض، إلا أنها لم تك شافية ووافية لترضي العقل المحايد، بيد أن مذهب التوقف وعدم الميل إلى قول قد يكون في بعض الأحيان هو المخرج من لجج وبواعث تلك الأسئلة الملحة التي تكاد تغلي وتفور في صدور الباحثين عن الحقائق، وفي خضم الحياة في مكة في زمن العرب الأقحاح بعد البعثة النبوية كان هناك حدث جلل قد أثر في الحياة الإنسانية وغَيّر التاريخ تغييراً حقيقياً، ألا وهو هجرة النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة، تلك القصة التي يحفظها كل أحد من المسلمين صغاراً وكباراً، وقد كُتبت فيها مؤلفات كثيرة سواءً قديمة أو حتى حديثة، وقصة تلك الهجرة فيها متعة حقيقية لمن أراد أن يتأمل العناية الإلهية التي كانت تتنزل على ذلك النبي الأمي صلوات الله عليه وسلامه منذ أن خرج من مرقده ثم سار بقدميه إلى غار ثور مع صاحبه أبي بكر الصديق رضي الله عنه،وما حوى الغـــار من خير ومن كرم وكــل طرف من الكفار عنه عميفالصدق في الغــار والصديق لم يَرِمَـا وهم يقولون مـا بالغــار من أَرِمِفإن عناية الله عز وجل قد حفظت النبي صلى الله عليه وسلم من الذين اجتمعوا في دار الندوة كي يتخلصوا من هذا الرجل الذي آذاهم فيما زعموا في آلهة آبائهم، وجعل كثيرا من القبائل يميلون إليه، وتلك العناية هي من أعظم الدروس في تلك الهجرة النبوية، فإن النفس الإنسانية لا تعلم ماذا تكسب غداً، وماذا سوف يجري لها، وما هو ذلك القدر الذي ينتظرها، فتقف تلك النفس الإنسانية متحيرة إلا تلك النفس المؤمنة بهذا الخالق المبدع، وإن له عناية يرعى بها عباده، وذلك الإيمان هو الذي صنع جيل الصحابة فسادوا الدنيا، وهذا الملمح والمدرك هو المحرك للنفس المؤمنة بأنها تسير في هذه الدنيا وهي موقنة بأن إله هذا الكون لن يتركها وسوف يرعاها بعنايته ولطفه فيُخرجها ذلك الإيمان من حالة الحيرة والاضطراب إلى حالة الاطمئنان، وهذا ما نجده في درس من دروس أحكام الهجرة، وهي أحكام مستدامة تتجدد كلما احتاج إليها المسلم فردا ودولة، وهي كما يقول الأصوليون واللغويون إن العلة تدور مع حكمها وجودا وعدما والمستثنيات لا تعود على الأصل بالنقص.

مقاصد وأخلاقيات الهجرة
تمر السنون في وقتنا مروراً سريعاً كالبرق، فتجرى السنة الواحدة من أمامنا فلا يكاد الإنسان يلتقط أنفاسه إلا والسنة التي تليها قد أوشكت أو دخلت كسنة جديدة في حلتها وشهورها وأيامها وأقدارها وأرزاقها ووقائعها ومجرياتها. وفي خضم مرور تلك السنين لا يكاد الإنسان أن يستجمع فكره في مشروع علمي أو اقتصادي أو ثقافي، فما يلبث إلا والوقت قد انسرق منه إن لم يُنجز أفكاره المؤسسة لذلك المشروع. وأمام هذا الجريان السريع يجد الأنسان نفسه أنه حري به أن يتأمل التاريخ ليستمد منه قوته، ولا أجد شيئاً فيه استمداد للقوة الإنسانية إلا تأمل سيرته صلى الله عليه وسلم في هجرته النبوية، فمع مرور كل سنة نكون أمام بدايات السنة الهجرية التي ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بهجرة النبي صلى الله عليه وسلم وما تتضمنه من مقاصد وأخلاقيات وسلوكيات مؤسسة لما هو جديد ومؤكدة لما هو حسن وجميل من كل خلق وسلوك كانت تتعامل به العرب في حياتها في وقتٍ تم وصفه بأنه جاهلية، وذلك لما تضمنته تلك الحياة من شوائب مناقضة للفطرة الإنسانية من ظلم في المواريث وظلم لما تواجهه المرأة من سلوكيات وأخلاقيات دونية تُنزل من مرتبتها الإنسانية، ومن عبادة للأوثان، فكانت العرب قد بلغت مداها في الإيغال في عدم الانضباط السلوكي والأخلاقي تجاه البحث عن إله هذا الكون حيث تعددت الآلهة لدى العرب الأقحاح الذين لا يمكن مجاراتهم في لغتهم العربية وفي ديوانهم الذي كان بمثابة الوسيلة الإعلامية الوحيدة التي كانوا يقتحمون أبوابها من كل حدب وصوب، إلا أن تلك العقول العربية لم تجد طريقاً لمعرفة إله الكون والوجود ثم كانت المواجهة عندما أتى رجل منهم يدعوهم إلى نبذ تلك الآلهة والتوجه بالعبادة إلى الإله الحقيقي الموجد لهذا الكون الذي لا يستحق صرف العبادة بكل أشكالها وأنواعها من ذبح وخوف ورهبة ودعاء ولجوء ونذر وحلف إلا للخالق البارئ المبدع لهذا الكون، فكانت تلك العبادات تُمارس بشكل علني وتلقائي دون نكير من أحد، وذلك لأنها دين الآباء والأجداد (بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون)، فقد فسر كثير من أهل العلم من الصحابة والتابعين هذه الآية بأن كفار قريش احتجوا على الدعوة لعبادة الله عز وجل بأن قالوا وجدنا آباءنا على دين وملة وهذا المقصود بالأمة، وذلك هو عبادتهم الأوثان، فكنت دائماً و لا أزال أتأمل من خلال تصوير ذهني كيفية هيئة المجتمع المكي في ذلك الوقت، وكيف أن أولئك العرب الأقحاح قد غفلوا عن حقيقية وجود إله لهذا الكون ويستحق العبادة كلها، وهم الذين نزلت الشريعة بلغتهم بل إن عصرهم عصر احتجاج بما يقولونه أو يفهمونه سواءً في الشريعة أو اللغة العربية، فقد قال الشاطبي مقرراً حجية فهمهم (فلا بد في فهم الشريعة من اتباع معهود الأميين، وهم العرب الذين نزل القرآن بلسانهم، فإن كان للعرب في لسانهم عرف مستمر فلا يصح العدول عنه في فهم الشريعة، وإن لم يكن ثم عرف، فلا يصح أن يجري في فهمها على ما لا تعرفه، وهذا جار في المعاني والألفاظ والأساليب، مثال ذلك أن معهود العرب ألا ترى الألفاظ تعبدا عند محافظتها على المعاني، وإن كانت تراعيها أيضا، فليس أحد الأمرين عندها بملتزم، بل قد تبني على أحدهما مرة، وعلى الآخر أخرى، ولا يكون ذلك قادحا في صحة كلامها واستقامته)، ثم يحار العقل في الإجابة عن كثير من الأسئلة والبحث عن العلل التي جعلت أولئك العرب الأقحاح يُعرضوا عن دعوة محمد صلى الله عليه وسلم، ولا شك أن لدى أهل العلم إجابات كثيرة عن أسباب ذلك الإعراض، إلا أنها لم تك شافية ووافية لترضي العقل المحايد، بيد أن مذهب التوقف وعدم الميل إلى قول قد يكون في بعض الأحيان هو المخرج من لجج وبواعث تلك الأسئلة الملحة التي تكاد تغلي وتفور في صدور الباحثين عن الحقائق، وفي خضم الحياة في مكة في زمن العرب الأقحاح بعد البعثة النبوية كان هناك حدث جلل قد أثر في الحياة الإنسانية وغَيّر التاريخ تغييراً حقيقياً، ألا وهو هجرة النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة، تلك القصة التي يحفظها كل أحد من المسلمين صغاراً وكباراً، وقد كُتبت فيها مؤلفات كثيرة سواءً قديمة أو حتى حديثة، وقصة تلك الهجرة فيها متعة حقيقية لمن أراد أن يتأمل العناية الإلهية التي كانت تتنزل على ذلك النبي الأمي صلوات الله عليه وسلامه منذ أن خرج من مرقده ثم سار بقدميه إلى غار ثور مع صاحبه أبي بكر الصديق رضي الله عنه،

وما حوى الغـــار من خير ومن كرم وكــل طرف من الكفار عنه عمي

فالصدق في الغــار والصديق لم يَرِمَـا وهم يقولون مـا بالغــار من أَرِمِ

فإن عناية الله عز وجل قد حفظت النبي صلى الله عليه وسلم من الذين اجتمعوا في دار الندوة كي يتخلصوا من هذا الرجل الذي آذاهم فيما زعموا في آلهة آبائهم، وجعل كثيرا من القبائل يميلون إليه، وتلك العناية هي من أعظم الدروس في تلك الهجرة النبوية، فإن النفس الإنسانية لا تعلم ماذا تكسب غداً، وماذا سوف يجري لها، وما هو ذلك القدر الذي ينتظرها، فتقف تلك النفس الإنسانية متحيرة إلا تلك النفس المؤمنة بهذا الخالق المبدع، وإن له عناية يرعى بها عباده، وذلك الإيمان هو الذي صنع جيل الصحابة فسادوا الدنيا، وهذا الملمح والمدرك هو المحرك للنفس المؤمنة بأنها تسير في هذه الدنيا وهي موقنة بأن إله هذا الكون لن يتركها وسوف يرعاها بعنايته ولطفه فيُخرجها ذلك الإيمان من حالة الحيرة والاضطراب إلى حالة الاطمئنان، وهذا ما نجده في درس من دروس أحكام الهجرة، وهي أحكام مستدامة تتجدد كلما احتاج إليها المسلم فردا ودولة، وهي كما يقول الأصوليون واللغويون إن العلة تدور مع حكمها وجودا وعدما والمستثنيات لا تعود على الأصل بالنقص.