العنصرية لا تنفصل عن ثلاثة تطورات عرفتها الحداثة الغربية

من الممكن تعريف «العنصرية» فوراً بأنها النظرية – وبالتالي الممـارسـة - التي تؤكـد علـى وجـود تـفـاوت نوعي أو تراتب هرمي بين الأجناس البشرية.والحـال أنه إذا صح هذا التـعـريف، فإن مصطلح «العنصرية» الذي اعتمدته الترجمة العـربـيـة ابتداء من عصر النهضة، لا يعـود صحيحاً. فهو إذ يحيل إلى «العنصر» لا إلى «الجنس» بتـغـيب الـواقـعـة الأسـاسـيـة في العنصرية. ألا وهـي التـمـيـيـز بين الأجناس البشرية.وقد تم في زمن لاحق اقتراح تعبير أكثر مطابقة، ألا هو العرقية، غير أنه لم يقيض له أن يزيح من حـقـل التـداول الدلالي مصطلح العنصرية.لكن سـواء اعـتـمـدنا المصطلح الأول أو الثاني، فلا مناص من أن نلاحظ غيابهما في المعجم العربي القديم.وهنا يثور للحال سؤال: إذا كانت اللغة الموروثة لم تعرف مصطلح العنصرية، فهل هذا معناه أن المجتمع المنتج لهذه اللغـة لـم يعرف الظاهرة العنصرية؟الواقع أن السؤال لا ينطبق على الثقافة العربية وحدها. فاللغات الأوروبية نفسها لم تشرع بتداول مفهوم العنصرية إلا في أواسط القرن التاسع عشر. ومع ذلك فإن الظاهرة العنصرية تضـرب جـذورها في التـاريـخ الأوروبي إلى ما قبل عصر النهضة، وتحديداً إلى منتصف القرن الـخـامـس عـشـر عـندمـا تطورت في الثقافتين الإسبانية والبرتغالية رؤية عـرقـيـة تميز ما بين الأنقياء والملوثين بالدم، وذلك بهدف إقـامـة حـاجـز فاصل يسد طريق الارتقاء الاجتماعي على المعتنقين الجدد للكاثوليكية من بقايا المسلمين واليهود الذين لم يبق أمامهم، بعد إنجاز حرب الاسترداد، من خيار آخر سوى «الاهتداء» أو الموت. هذا التفارق الزمني بين النشوء التاريخي للعنصرية وبين صياغتها مفهومياً وأيديولوجـيـا في النصف الثـانـي مـن القـرن التاسع عشر جعل الباحثين يختلفون اختلافاً بيناً في تحديد زمنيتها: أهي ظاهرة قديمة قدم المجـتـمـع البـشـري أم هي مـن نـتـاج الحداثة الغربية حصراً؟مؤرخ عالمي السمعة مـثـل جـويـل كـوفل لا يتردد في التوكيد بأن «الظاهرات العنصرية كليـة الحـضـور في التاريخ» وبأن «الكراهية العرقية متأثلة في الطبيعة البشرية». ولكن فيلسوفاً أنثروبولوجيا ومؤرخ أفكار مثل بيار أندريه تاغييف ينتصر على العكس بقوة لدعوى حداثة الظاهرة العنصرية، ويذهب إلى أن ما عرفته المجتمعات التقليدية لا يعدو أن يكون ضروباً متباينة من المركزية الإثنية.والحال أن المركزية الإثنية ظاهرة وجدانية وسلوكية كونية، ولا تخلو منها حضارة من الحضارات أو حتى جـمـاعـة من الجـمـاعـات البشرية. فكل شعب ينزع إلى أن يبالغ في السـمـات الخـاصـة لأعـرافـه وتـقـالـيـده التي تميزه عن سائر الشعوب المحيطة. ولا يندر أن يعتبر نفسه الممثل الوحيد للحضارة، وربما للبشرية جمعاء. وغالباً ما يتلبس الموقف المركزي الإثني شكل مـعـارضـة مـانـوية بين الـ «نحن» و«الآخـرون». فنحن المتـحـضـرون، والآخـرون همج أو بدائيون. وقد لاحظ كلود ليفي ستروس بحق أن ثنائيـة «المتـحـضـرين. المتوحشين» هي موروث ثابت من الفكر الوحشي نفسه.فالموقف المركزي الإثني الذي يقوم على رفض الغيرية الحضارية والذي يطرد «المتـوحـشين» أو كل من يقع الاختيار عليهم للصق هذه الصفة بهم، خارج دائرة البشرية إنما هو الموقف الأكـثـر تـمـيـيـزاً للفكر الوحشي ذاته، ومن ثم فإن تجاوز الطور الـوحـشـي يـعنـي قـبـل كل شيء الخـروج من النفق المعـرفي والوجداني والسلوكي للمـركـزية الإثنية.ولا شك أن العنصرية تقبل التعريف بأنها شكل من أشكال المركزية الإثنية، وهناك من حدها بأنهـا المذهب الذي يؤكد على دونيـة الشـعـوب الأخـرى لمجـرد أنـهـا أخـرى، أي مختلفة. ولكن مثل هذا التحديد لا يأخذ بعين الاعتبار الواقعة الأساسية في العنصرية التي هي مفهوم «العرق» وما يستتبعه وجدانياً وسلـوكـيـاً مـن خـوف مـرضي من اخـتـلاط الأجناس و«تلوث» الدم.والواقع أنه بـهـذا المعنى لا تبدو العنصرية قابلة للفـصـل عن ثلاثة تطورات عرفتها الحداثة الغربية: ولا الاخـتـراع الإسـبـانـي لأسطورة الدم النقي لا حـؤولاً، كـمـا رأينا، دون الارتقاء الاجـتـمـاعي للمتنصرين من مغاربة إسبانيا ويهودها، مما كان يعني تقديم معيار نقاوة الدم على معيار نقاوة الإيمان ضمن إطار انقلاب لاهـوتـي هـو الأول مـن نـوعــه فـي تـاريـخ المجـتـمـعـات القـائـمـة على التضامن الديني، وثـانـيـاً تطور ظـاهـرة الـرق الأسـود في المستعمرات الأوروبية في الأمريكتين وفي - جـزر الأنتيل، مما جعل الرهاب من الاختلاط (الخـلاسـي) يـغـدو هـو المحـدد الأول لسلوك العنصريين البيض الذين كانوا في الوقت نفسه بأمس الحاجة إلى التسلح بنظرية دونيـة الـعـرق الأسـود خـصـوصـاً، والملون عموماً، ليبرروا لأنفسهم استغلالهم المقيت لليد العاملة المستـرقة. وثالثاً تطور الظاهرة الاسـتـعـمـارية في عـمـوم القارتين الآسيوية والإفـريـقـيـة، ممـا خـلـق بدوره حـاجـة إلى «تسفيل» الأجناس «الملونة» لاصطناع تبرير نظري وأخـلاقي و«حـضـاري» لـلاسـتـغـلال الكولونيالي.1997** كاتب وناقد ومترجم سوري «1939 - 2016».

العنصرية لا تنفصل عن ثلاثة تطورات عرفتها الحداثة الغربية
من الممكن تعريف «العنصرية» فوراً بأنها النظرية – وبالتالي الممـارسـة - التي تؤكـد علـى وجـود تـفـاوت نوعي أو تراتب هرمي بين الأجناس البشرية.

والحـال أنه إذا صح هذا التـعـريف، فإن مصطلح «العنصرية» الذي اعتمدته الترجمة العـربـيـة ابتداء من عصر النهضة، لا يعـود صحيحاً. فهو إذ يحيل إلى «العنصر» لا إلى «الجنس» بتـغـيب الـواقـعـة الأسـاسـيـة في العنصرية. ألا وهـي التـمـيـيـز بين الأجناس البشرية.

وقد تم في زمن لاحق اقتراح تعبير أكثر مطابقة، ألا هو العرقية، غير أنه لم يقيض له أن يزيح من حـقـل التـداول الدلالي مصطلح العنصرية.

لكن سـواء اعـتـمـدنا المصطلح الأول أو الثاني، فلا مناص من أن نلاحظ غيابهما في المعجم العربي القديم.

وهنا يثور للحال سؤال: إذا كانت اللغة الموروثة لم تعرف مصطلح العنصرية، فهل هذا معناه أن المجتمع المنتج لهذه اللغـة لـم يعرف الظاهرة العنصرية؟

الواقع أن السؤال لا ينطبق على الثقافة العربية وحدها. فاللغات الأوروبية نفسها لم تشرع بتداول مفهوم العنصرية إلا في أواسط القرن التاسع عشر. ومع ذلك فإن الظاهرة العنصرية تضـرب جـذورها في التـاريـخ الأوروبي إلى ما قبل عصر النهضة، وتحديداً إلى منتصف القرن الـخـامـس عـشـر عـندمـا تطورت في الثقافتين الإسبانية والبرتغالية رؤية عـرقـيـة تميز ما بين الأنقياء والملوثين بالدم، وذلك بهدف إقـامـة حـاجـز فاصل يسد طريق الارتقاء الاجتماعي على المعتنقين الجدد للكاثوليكية من بقايا المسلمين واليهود الذين لم يبق أمامهم، بعد إنجاز حرب الاسترداد، من خيار آخر سوى «الاهتداء» أو الموت. هذا التفارق الزمني بين النشوء التاريخي للعنصرية وبين صياغتها مفهومياً وأيديولوجـيـا في النصف الثـانـي مـن القـرن التاسع عشر جعل الباحثين يختلفون اختلافاً بيناً في تحديد زمنيتها: أهي ظاهرة قديمة قدم المجـتـمـع البـشـري أم هي مـن نـتـاج الحداثة الغربية حصراً؟

مؤرخ عالمي السمعة مـثـل جـويـل كـوفل لا يتردد في التوكيد بأن «الظاهرات العنصرية كليـة الحـضـور في التاريخ» وبأن «الكراهية العرقية متأثلة في الطبيعة البشرية». ولكن فيلسوفاً أنثروبولوجيا ومؤرخ أفكار مثل بيار أندريه تاغييف ينتصر على العكس بقوة لدعوى حداثة الظاهرة العنصرية، ويذهب إلى أن ما عرفته المجتمعات التقليدية لا يعدو أن يكون ضروباً متباينة من المركزية الإثنية.

والحال أن المركزية الإثنية ظاهرة وجدانية وسلوكية كونية، ولا تخلو منها حضارة من الحضارات أو حتى جـمـاعـة من الجـمـاعـات البشرية. فكل شعب ينزع إلى أن يبالغ في السـمـات الخـاصـة لأعـرافـه وتـقـالـيـده التي تميزه عن سائر الشعوب المحيطة. ولا يندر أن يعتبر نفسه الممثل الوحيد للحضارة، وربما للبشرية جمعاء. وغالباً ما يتلبس الموقف المركزي الإثني شكل مـعـارضـة مـانـوية بين الـ «نحن» و«الآخـرون». فنحن المتـحـضـرون، والآخـرون همج أو بدائيون. وقد لاحظ كلود ليفي ستروس بحق أن ثنائيـة «المتـحـضـرين. المتوحشين» هي موروث ثابت من الفكر الوحشي نفسه.

فالموقف المركزي الإثني الذي يقوم على رفض الغيرية الحضارية والذي يطرد «المتـوحـشين» أو كل من يقع الاختيار عليهم للصق هذه الصفة بهم، خارج دائرة البشرية إنما هو الموقف الأكـثـر تـمـيـيـزاً للفكر الوحشي ذاته، ومن ثم فإن تجاوز الطور الـوحـشـي يـعنـي قـبـل كل شيء الخـروج من النفق المعـرفي والوجداني والسلوكي للمـركـزية الإثنية.

ولا شك أن العنصرية تقبل التعريف بأنها شكل من أشكال المركزية الإثنية، وهناك من حدها بأنهـا المذهب الذي يؤكد على دونيـة الشـعـوب الأخـرى لمجـرد أنـهـا أخـرى، أي مختلفة. ولكن مثل هذا التحديد لا يأخذ بعين الاعتبار الواقعة الأساسية في العنصرية التي هي مفهوم «العرق» وما يستتبعه وجدانياً وسلـوكـيـاً مـن خـوف مـرضي من اخـتـلاط الأجناس و«تلوث» الدم.

والواقع أنه بـهـذا المعنى لا تبدو العنصرية قابلة للفـصـل عن ثلاثة تطورات عرفتها الحداثة الغربية: ولا الاخـتـراع الإسـبـانـي لأسطورة الدم النقي لا حـؤولاً، كـمـا رأينا، دون الارتقاء الاجـتـمـاعي للمتنصرين من مغاربة إسبانيا ويهودها، مما كان يعني تقديم معيار نقاوة الدم على معيار نقاوة الإيمان ضمن إطار انقلاب لاهـوتـي هـو الأول مـن نـوعــه فـي تـاريـخ المجـتـمـعـات القـائـمـة على التضامن الديني، وثـانـيـاً تطور ظـاهـرة الـرق الأسـود في المستعمرات الأوروبية في الأمريكتين وفي - جـزر الأنتيل، مما جعل الرهاب من الاختلاط (الخـلاسـي) يـغـدو هـو المحـدد الأول لسلوك العنصريين البيض الذين كانوا في الوقت نفسه بأمس الحاجة إلى التسلح بنظرية دونيـة الـعـرق الأسـود خـصـوصـاً، والملون عموماً، ليبرروا لأنفسهم استغلالهم المقيت لليد العاملة المستـرقة. وثالثاً تطور الظاهرة الاسـتـعـمـارية في عـمـوم القارتين الآسيوية والإفـريـقـيـة، ممـا خـلـق بدوره حـاجـة إلى «تسفيل» الأجناس «الملونة» لاصطناع تبرير نظري وأخـلاقي و«حـضـاري» لـلاسـتـغـلال الكولونيالي.

1997*

* كاتب وناقد ومترجم سوري «1939 - 2016».